أردتُ أن أعود. أريدُ أن أعود. وسأحمل معي هذا التوق إلى قبري. أعلم أنّي لن أعود أبدًا. إنّي سأموت منفيًّا كما مات أبي. وهذا ما يعصر قلبي كلّ صباحٍ عندما أستيقظ، وأدرك أنّ هذا ليس حلمًا.
قالوا لي إنّ اسمها كان «عين شافية». قالوا إنّ الخضرة حولها تشفي، وأنّ بيوتها المتلاصقة تسكب الحياة في الروح.
لو لم يكن ما كان، لكنتُ الآن هناك. لكنّي هنا الآن، شجرةٌ مقتلعة.
حكى لي أبي عن طفولته، عن لعبه مع الطيور، عن تسلّق الأشجار، عن الضحك الغافل عن كلّ شيءٍ في الدنيا. وحكت لي أمّي عن الضفائر والركض في الطرقات وحكاوي الجدّات.
عاشا معي سنواتٍ طويلة، لكنّ نصف الروح كان ما يزال هناك، في عين شافية.
مات والدي شيخًا هرمًا. قالوا إنّه خرف، وصار يهذي بمرابع طفولته، ويسألنا: «من أخرجه من بلده؟ لمَ هو هنا؟» كانت عين شافية في عينيه. رأيتُها قبل أن تفارق الحياةُ جسده المشتاق.
لم يمضِ وقتٌ طويلٌ قبل أن يخطف الموت جسد أمّي اليابس. بكت في أيّامها الأخيرة كثيرًا. بكت زوجها ونفسها. بكت الحقيقة التي تسرّبت من يديها، وصارت حلمًا مستحيلًا.
ورثتُ من أبي الصورة في عينيه. كلّما أغمضتُ عينيَّ، تخيّلتُ نفسي في وطني، بين أهلي، تحت الشجرات وسط الخضرة الشافية. ثم فتحتُهما، ورأيتُ القحط حولي. تُرى، هل سيرى ابني صورة عين شافية في عينيَّ وأنا أموت؟
ورثتُ من أمّي بكاءها. لطالما دعوتُ اللهَ أن يردّني إلى وطني الذي لم أره قطّ.
أحيانًا كنتُ أواسي نفسي: أنا لم أرَ عين شافية أبدًا. ربّما لو ذهبتُ وزرتُها لن أعرفها. هل أنا مشتاقٌ إلى ما لن يكون؟ لكنّي كنتُ أعرف أنّي سأعرفها.
ثم جاءت الموافقات. إذنٌ سريعٌ من السجّان: «يمكنك أن تزور عين شافية يومًا واحدًا».
ذهبتُ. حملتُ أمتعتي وشوقي ويأسي. حملتُ الموتى والأحياء. ووصلتُ. لم أعرفها. كانت ركامًا، خربةً خالية. لم تكن لي فيها ذكرى واحدة. كنتُ فيها غريبًا، كما كنتُ غريبًا وأنا بعيدٌ عنها.
عدتُ وحاولتُ أن أنسى. لكنّي استيقظتُ في اليوم التالي، والشوق أشدّ ما يكون. كأنّي لم أزرها بعد.
قمتُ من فراشي وقلت: ما دام السجّان موجودًا، فإنّي لم أزرها بعد.
ناديتُ ابني. أجلستُه أمامي، ونظرتُ في عينيه. انظر في عينيّ يا بنيّ. انظر إلى عين شافية. وإيّاك أن تنسى. إيّاك أن ترتاح قبل أن تزورها.



1 Comment