العشب الأسود

خرجتُ لأحضر الماء من البئر كما أفعل كلّ ليلةٍ بعد الغروب. نظرتُ خلفي، ورأيتُ بيتنا من بعيدٍ يختفي خلف الأشجار. في طريق العودة كنتُ أُدندن لحنًا سعيدًا ما. ضوءٌ برتقاليٌّ تراءى لي من بعيد. لم أفهم ما كنتُ أراه. أو، لأقول الصدق، لم أُرِد أن أفهم. رميتُ الدلاء، ثم ندمتُ؛ ربّما نفعني الماء. ترددتُ قليلًا، ثم ركضتُ بأسرع ما أستطيع. كلّما اقتربتُ أدركتُ حجم النار الهائل، وتلاشى الأمل أمام غضب اللهب. وعندما وصلتُ أخيرًا، اقتحمت عينيّ بقايا الشرارات ولونُ الرماد. وقفتُ ألهث. كان الأوان قد فات. عزّاني الناس، وأقمنا المراسم اللائقة في اليوم التالي. وفي الليلة التي تليها، نمتُ وحدي في الحظيرة.

وتوالت الليالي.

في الحظيرة خمسة خراف. وأنا سادسهم.

لا أعرف كيف وصلتُ إلى هنا. أعرف أنّ النوم لا يأتي. كلّ ليلةٍ تفتح الحمّى بابي، وتدخل دون استئذان، فأنتفض في الظلام. أسمعُ الثغاء. أسمعُ الدقّات تتصاعد، لا أدري أهذا قلبي أم خطًى تقترب منّي. أركض. ألهث. أهرب. وحين أتوقّف، لا أرى شيئًا. والخرافُ لا تنام هي الأخرى. تقف. تنظر. تنتظر. مثلي.

النهار ليس كالليل. العشب أخضر في النهار، أخضرُ ساطعٌ يكاد يضحك. لكنّه في الليل يعود أسود محترقًا كما أعرفه. العشب الأسود لا يشتهيه أحد. حتى الخراف الجائعة.

كانوا يقولون لي: انظر إلى السماء. كيف أنظر وأنا لا أستطيع رفع رأسي عن العشب؟ قالوا: احفر. حفرتُ طويلًا. لم أجد شيئًا. التراب ناعم، يصلح للدفن، لكنّه لا يصلح للإجابة. قيل لي: اركض. ركضتُ. الطريق طويلة، طويلةٌ جدًّا على من يتعثّرون في كلّ خطوة. العرجى والمكاسير على جانبيها ينظرون إليّ ولا يجيبون.

ثم تندلع النار القاسية.

لا أدري من يشعلها. لعلّها تشتعل وحدها. تعلو وتشتدّ. لا أحد هنا ليطفئها. أسمع الطبول تقترب، ويبدأ الرقص. جسدي لا يطيعني. أتحرّك حركاتٍ عنيفة، والشَّعر ينسدل على وجهي، ورائحةُ الرماد تخنقني. ومن شقّ الباب، أرى خمسةَ خرافٍ تُساق للذبح. ولا أخرج.

يُفتح باب الحظيرة. أهرب. الغابة لا نهاية لها. أركض، تتجنّبني الأشجار، تكبر الغابة، والشيءُ خلفي لا يسرع ولا يبطئ، يمشي كما أمشي. وحين أستدير، لا أرى أحدًا. ثم أعود من حيث أتيت.

يعيد الحلم نفسه كلّ ليلة. أراني يأكلني اللهب. فكّان. ومضغ. أتألّم. لا أموت. يمضغني طوال الليل، وفي الصباح أستيقظ كاملًا، لأُؤكل من جديد.

كم مرّةٍ قلتُ: لن آكل بعد اليوم. وكم مرّةٍ أكلت. صرتُ آكل التراب، وآكل الصمت، وآكل وجهي في المرآة. المذاق يذوب.

الكلمة تتجمّد قبل أن تُنطق. أفتح فمي، فلا يخرج شيء. تتجمّد في حلقي. أبتلعها. تصير حجرًا. وفي اليوم التالي، حجرٌ جديد.

والبكاء كاذب. جرّبتُ أن أبكي، فلم يخرج شيء. ثم خرج شيء، فقلتُ: لن أصدّقه.

مات ناس. لن يعودوا. هذا ما أفهمه. ماتوا، ولن يعودوا. ولن أُصلح هذا أبدًا.

أريد أن أختفي. هذا ما أريده فعلًا. ليس الموت؛ الموتُ شيءٌ آخر. الاختفاء: أن لا أكون هنا ولا هناك. أن لا أكون أنا. أن لا أسمع الثغاء. أن لا يُفتح باب الحظيرة.

في الحظيرة خمسة خراف. وأنا سادسهم. والنوم لا يأتي. ولا يبقى لي إلا أن آكل العشب الأسود. فأفعل.

واليوم أيضًا تتبعني الخطوات. أسقط. الدم يغطّي رأسي. تدور الدنيا، ثم يسودّ كلّ شيء. وحدي. عيناي تريان كلّ ما حولي. ليس كما ترى عينا الرأس، لا! أرى كلّي. ثم تظهر نارٌ سوداء مظلمة. كلّ ما رأيتُه من سوادٍ في حياتي صار يبدو رماديًّا، مخلوطًا بضوءٍ ما. أمّا هنا، فالسواد خالص.

ثم أُسحَب أبعد. وأقف بين أعدادٍ لا تُحصى ممّن هم مثلي. وصوتٌ يقول: قدمتَ أخيرًا يا حيّان. أوّل مرّةٍ أسمع فيها اسمي منذ دهر.

قال لي الصوت: هل تريد أن تأكل العشب الأسود للأبد؟

ثم سألني: أتريد أن تُشفى؟

لستُ مصابًا. لم تحرقني النار. نجوتُ، قلتُ له.

كُتِبت لك النجاة، أجابني.

ثم لم أعد أنا. رأيتهم بعيونهم لا بعينيّ أنا. تألّموا. بكيت. صرخوا. بكيت. ماتوا. بكيت.

ثم رأيتُهم هناك. ابتسموا، وقالوا: عِش.

أيقظني حرُّ الشمس. خسرتُ من دمي الكثير.

رفعتُ رأسي للسماء وصرختُ: تقولون عِش! كيف أعيش؟ لِمَ لم تعيشوا أنتم معي؟ لِمَ لم أمت أنا معكم؟

ثم تمتمتُ: إن كنتُ سألقاكم، فكلّ شيءٍ محتمل.

عدتُ متعثّرًا إلى باب الحظيرة. فتحتُ الباب. تركتُ الخراف تخرج لترعى. جاعت الخراف المسكينة؛ لطالما أهملتها. أمّا أنا، فجلستُ أتأمّلها، وقلت: سأبني بيتًا هنا. وسأنتظر.

No comments yet