الغريب

لا يكاد أهل قريتنا يسمعون صوت الموج لكثرة ما أَلِفَته آذانهم. خرجنا فجرًا. جهّزنا الشباك وأصلحنا قواربنا، ومع أوّل خيطٍ من ضوء الشمس رأينا الجسد الملقى هناك، على الطرف البعيد من الشاطئ، تحت ظلّ الصخرة التي تفصل قريتنا عن القرى المجاورة.

غريق! صاح أحدنا. ركضنا باتّجاهه. وعندما بلغناه، لم يعد للأمل فسحة؛ كانت الحياة قد غادرته منذ زمن. لم يكن يشبهنا في شيء: لا لباسه، ولا ملامحه، ولا في وجهه ذلك التعب الذي في وجوهنا. تفحّصناه، بعضنا بعينٍ مشفقة، وآخرون بعيونٍ فضوليّة. ثم التقت العيون على ذراعه اليمنى، حيث رأينا الكلمات مكتوبةً بين الجلد واللحم: طوبى لك أيّها الغريب.

قرأناها، فسكتنا في حضرة المعجزة. زلزلتنا الكلمات. لم ندرِ من أين جاء، ولا ما كان يطلب؛ لكنّ الكلمات كانت تقول فيه ما لا يجرؤ أحدنا أن يقوله عن نفسه. دفنّاه وحده، في طرف القرية تحت الصخرة، ولم نجرؤ أن نضعه إلى جانب موتانا. كيف نجرؤ أن ننقل معجزةً من مكانها؟ ومن يدري إن كان يليق بهم جواره؟ ثم صرنا نزوره. كنّا نذكره فنحزن، لا عليه بل علينا: بلغ هو الشاطئ، وبقينا نحن في اللجّة.

علمنا أنّه كان أفضل منّا، وأنّه عبر البحر الذي يخيفنا. أيّ طمأنينةٍ تلك في قلب من يبتسم وهو يغرق؟ لا بدّ أنّ حكمته ممّا لا تبلغه عقول أمثالنا. ربّينا أطفالنا على أن يحبّوا الغريب، وأخبرناهم أنّهم لن يكونوا مثله أبدًا. فليس كالغريب أحد.

كنتُ أشدّهم به كلَفًا. صورة جسده الملقى ووجهه السعيد لا تغادرني. أحببته كما يُحبّ المرءُ أبطال الأساطير. كنتُ أعلم أنّي لستُ مثله — هُزمتُ مرّاتٍ لا تُحصى، وفي قلبي ركنٌ لم يخلُ من شرّ — لكنّ الكلمات كانت تناديني. كنتُ أقف على قبره وأقول لنفسي: غيرُك وصل، فإلى متى تيهُك أنت؟

صغرت القرية وضاقت. لم يعد فيها إلا أنا والقبر الذي يعاتبني.

حملتُ متاعي ورحلت. صعدتُ الطريق الوعر خلف الصخرة، وأشرفتُ على القرية من أعلاها، وودّعتُ كلّ شيء. لم أحتمل ما كان يشدّني إلى نفسي القديمة. ودّعتُ الوجوه والتلال والشاطئ الأبيض، ولا أعرف مقصدي بعد؛ لكنّي سأمشي، وليأخذني الطريق.

ووهبتُ نفسي للطريق.

كانت الأيّام الأولى أصعب الأيّام. الشوق يقول: ارجع. والحلم يقول: امضِ. وأنا بينهما أقدّم رجلًا وأؤخّر أخرى. صارت الأيّام شهورًا، ثم سنوات. التقيتُ بشرًا كثيرين، لا أحد منهم كان مثل الغريب. وسلكتُ طرقًا كثيرة، لكنّي لم أشعر أنّي ابتعدتُ بما يكفي عن ذاك القبر.

ثم تعب الجسد قبل أن تتعب النفس. وجدتُ نفسي في بلدةٍ لا أعرف اسمها، فقلتُ: أستريح أيّامًا ثم أمضي. لكنّ الأرض والحياة تمسّكتا بي ورفضتا إفلاتي. بنيتُ بيتًا وألِفته. سقى عرقي الأرضَ يومًا بعد يوم. عرفتُ الناس بأسمائهم، وعرفوني. ونمتُ ليالي هانئةً لا يوقظني فيها شيء. مرّت سنوات. كنتُ أنسى الكلمات أحيانًا، ثم أتذكّرها فأتناساها.

حتى جاءت الليلة التي رأيتُه فيها في المنام. كان القبر تحت الصخرة، والبحر خلفه، وأنا واقفٌ أمامه كما كنتُ. استيقظتُ ويدي على ذراعي اليمنى — عاريةً بيضاء. نظرتُ إلى بيتي وأرضي وجيراني. تركتُ كلّ شيءٍ كما هو، وخرجتُ قبل الفجر.

ووهبتُ نفسي للطريق.

تشعّبت بي الطرق حتى وجدتني وقد تهتُ مع رفيقٍ لي في الصحراء. نفد الزاد والماء بعد ثلاثة أيّام، فجلسنا تحت ظلّ شجرةٍ يابسةٍ ننتظر الموت. بكى رفيقي؛ أراد أن يعيش أكثر، وأن يعود إلى أهله وقريته. وبكيتُ أنا لأنّي سأموت قبل أن أصل. لم نمت في آخر الأمر، بلطف الله الذي سخّر لنا قافلةً أغاثتنا.

ثم سمعتُ عن أرضٍ قيل لي إنّ أهلها من العارفين الواصلين، فقصدتُها دون إبطاء: رجاءَ الوصول، وخوفَ الندم. قيل لي إنّها وراء أرضٍ وبحر. كان الطريق طويلًا، ولم يخلُ يومًا من مشقّة؛ لكنّي كلّما وهنتُ نظرتُ إلى ذراعي اليمنى — عاريةً بيضاء — فتذكّرتُ أين يمكن أن تكون الكلمات، وتذكّرتُ الشجرة اليابسة وأين يمكن أن يكون مصرعي، فأقوم. مشيتُ عمرًا حتى أَلِفْتُ التيهَ.

وبلغتُها.

دخلتُها ظهرًا، وقلبي يكاد يقف. كان السوق أوّل ما استقبلني. رأيتُ قومًا يبيعون ويشترون، ويتشاجرون على ثمن السمك، ويضحكون. قطعتُ السوق مسرعًا، حانيًا رأسي، خامرني غضبٌ مكتوم. ثم دخلتُ المقبرة، ورأيتُ ناسًا يشيّعون موتاهم باكين. خاب أملي في هؤلاء القوم، لكن ربّما ما زال هناك أمل.

سألتُ عن العارفين، فأشاروا إلى شيخِ المسجد. جلستُ إليه. كان طيّبًا؛ دعاني إلى الطعام وأكرمني. بدا متعبًا. أخذَنا الحديث، وبدأ يشكو آلام ظهره وابنه العاقّ.

ثم نظرتُ ورأيتُ ذراعه: عاريةً بيضاء، كذراعي.

شكرتُه على حسن الضيافة، وخرجتُ من عنده. ثم غمرتني أشعّة الشمس، ومعها موجةُ يقينٍ جديدة.

لا، ليست هذه. قلتُ لنفسي: أخطأتُ الطريق. لا بدّ أنّ الأرض التي أطلب وراء هذه، وراء البحر الذي خلفها. ما كان الغريب ليقطع كلّ ذاك ليصل إلى قومٍ كقومي. خرجتُ من البلدة قبل أن يميل النهار، ولم ألتفت.

ثم ركبتُ البحر. كانت النفسُ قد بدأت تلين، بعد كلّ تلك السنين. صَفَت النيّةُ وأطاع الجسد. ظهرت الأرض من بعيد، واسعةً خضراء. لم يبقَ إلا القليل. أكاد أصل، قلتُ لنفسي.

أطلالٌ هائلة على مدّ البصر. معظمها أخفاه الضباب. وأمامي مباشرةً تمثالٌ مهيب. رجلٌ يكتب على ذراع رجلٍ آخر.

اختلطت الدهشة والسعادة في قلبي.

ثم، وفي غمرة ذهولي، جاءت العاصفة. كانت السماء صافيةً قبل لحظة. لم أشعر إلا وهي فوق رأسي. عصفت، ومزّقت ما ظننتُه مركبًا قويًّا، وألقتني بين الموج على لوحٍ من خشب، وحدي، تائهًا، عطشانَ.

صوت الموج يتردّد في أذني. واضحًا. وجديدًا.

وهناك، على حافّة الغرق، رأيته. لم أعرف من هو. رأيتُ في يده القلم. مدّ يده، ومددتُ يدي. أمسك ذراعي اليمنى، وغرز النصل. مزّق الجلدَ. سال الدم. ولم أسحب ذراعي. ابتسم، وابتسمتُ. وكتب — بين الجلد واللحم —: طوبى لك أيّها الغريب.

شرب البحر ما بقي من دم، ثمّ لفظ الجسد.

No comments yet