كلّ ظلام الدنيا رافقني إلى هذا الوادي، وهذا الغيم الأسود الذي يغلّف الأفق يخنقني. غرستُ رمحي في عقاربَ وحيّاتٍ لا تُحصى. إحداها لدغتني في وجهي، فنزفتُ دمًا أسود مسمومًا. كنتُ كلّما رأيتُ واحدةً تتبّعتُها وقتلتُها. ثم لمّا رأيتُ الشمس قاربت على المغيب، صرتُ لا أقتل إلا ما يعرض لي، وتابعتُ طريقي. وعندها تراءت لي أخيرًا على بعد خطوات: بئرٌ وحيدة، لا حبل فيها ولا خضرة حولها توحي بأنّ حياةً ما خرجت منها يومًا. ورائحةٌ لا توصف ولا تُطاق. رائحةُ فسادٍ ما.
نداءٌ خافت. سمعتُ اسمي يتردّد في الظلام وفي الصدى، ثم ذكّرتُ نفسي أنّ هذا النداء هو ما جئتُ أبحث عنه في ليلتي هذه. النداء يصير أقوى. كذّبتُ ثم صدّقتُ. ولا عودة من هذا إذن. قلبي يكاد ينفجر، لكنّي قلتُ: أنا هنا.
«اقترب. انظر.» قالتها أصواتٌ كثيرةٌ مختلطةٌ باردة.
«أنت خائف؟» قالتها الأصوات ساخرةً بنبرتها الميتة.
لا تخف. هذا ما جئتُ من أجله.
«نعم»، قلتُ.
«إذًا اقترب وانظر.»
خطواتٌ قليلةٌ تفصلني عن الفوّهة المظلمة. قطعةٌ من الليل كانت. تقدّمتُ خطوةً صعبةً طويلة، اقتربتُ. والأفكار تتصارع في رأسي. اهرب الآن، صرخت فيّ حواسّي كلّها. لكنّي بقوّةٍ لا أدري لها مصدرًا قاومتُ، وتقدّمتُ. لا يفصلني عن البئر إلا خطوة، الخطوة الأخيرة بيني وبين ما أريد، آخر فرصةٍ للفرار. والأصوات تدعوني وتلحّ عليّ أكثر، وتكاد تصمّ أذنيّ. وأخطو الخطوة المستحيلة. وأصل. وأمسك حافة البئر، وأنحني، وأنظر.
وأتجمّد مكاني. كانوا حولي. أحاطوا بي وبالبئر. لم أرَ إلا أثوابًا سوداء تخفق في الريح التي اشتدّت فجأةً. لم أرَ وجوههم ولا ملامحهم التي أخفاها الليل. وما أكثر ما يخفي الليل! تحلّقوا حولي في دائرةٍ محكمة. لا هرب الآن، قلتُ لنفسي. وجاء الصوت من كلّ مكانٍ حولي:
«انظر.» ونظرتُ. كلٌّ منهم يمسك إناءً مملوءًا بشرابٍ لامعٍ يكاد يضيء. رفعوا آنيتهم في وقتٍ واحد، ورفعوا رؤوسهم، وشربوا. كانت حركاتهم متطابقةً آليّةً إلى حدٍّ زادني رعبًا. ثم انخفضت الأيدي، واختفى الشاربون.
«الآن سترى نفسك. الآن ستصل إلى ما جئتَ تطلب.»
واختفت الدنيا كلّها. لا وادٍ ولا غيم ولا بئر. اختفى الوجود كلّه. لا أرى شيئًا، ولا أسمع شيئًا، ولا أدري شيئًا عمّا حصل للتوّ. ثم رفعتُ رأسي، فإذا ما حسبتُه سماءً حلقةُ ضوءٍ خافتةٌ بعيدةٌ كفوّهة بئر. أنا في القاع إذن.
«من ينظر في البئر يصير فيها»، قالت الأصوات.
«لا شيء. فراغٌ. ظلامٌ. لا شيء. انظر. انظر أطول. كان ينبغي أن ترى وتُجنّ، كما جُنّ كلّ من رأى نفسه. لكن لا شيء فيك ليُرى، لا شيء فيك ليُكسَر. ماذا نفسد فيما لم يوجد يومًا أيها الرجل الخاوي؟»
رأيتُ من سقطوا قبلي. صفوفًا من بقايا الناس. رؤوسًا محنيّةً في يأسٍ كامل. تجرّ أقدامها خلف بعضها. بلا غايةٍ ولا أمل.
مسحتُ عرقي البارد. جرحي يزداد نزيفًا. أمسح الدم الأسود عن وجهي، وصدري يعتمل بعواصف عاتيةٍ تكاد تقتلع ما تبقّى من ملامح وجهي. وعندما لم أعد أحتمل، بدأ النحيب. صوتٌ قويٌّ يائسٌ مريرٌ يشبه الجنون أكثر من البكاء. ترتفع يداي لتشدّا شعري، ثم تنغرسان في تراب القاع، ويتغيّر وجهي من ذلك التعبير الخالي الذي دخلتُ به الوادي إلى غضبٍ متوحّشٍ لم أعرفه قبلًا.
لا. قلتُها مدوّيةً كما لم أقلها قبل.
أنا خفتُ. ارتعبتُ. غضبتُ. رفضتُ. وأنا الآن من يقول: لا.
عندها جلس أمامي برِدائه الأسود، والريح الصقيعيّة تعبث به في جنون. مدّ يديه المظلمتين وقال لي بأصواتهم جميعًا: اشرب.
من أنت؟ قلتُ.
لم يجب. فصرختُ مجدّدًا: من أنت؟ فاشتدّت الريح. كادت تقتلعني فتشبّثتُ بطين القاع، وارتمى الثوب بعيدًا. وعندها لم يكن هناك أحدٌ أمامي سوى يدين من الظلام.
اشرب. قالوا مجدّدًا.
لستُ هذا. قلتُ.
«نحن لا نرى إلا ما ترى»، قالت الأصوات.
«كنتُ أعمى»، قلتُ.
«ليس ثمّة إلا الظلام.»
«ليس إن فتحتُ عينيّ.»
الريح تزداد. والبرد يزداد. والخوف يزداد. والعينان تقاومان ما يشبه الغبار حيث لا غبار.
ثم فتحتُ عينيّ. ورأيت. رأيتُ الليل يتآكل، وشيئًا يشبه الشروق يأتي من بعيد. رأيتُ الظلال تتلوّى وتغوص في القاع.
لم يعد في القاع ما يمسكني؛ من فتح عينيه لا تحتجزه بئر. ارتفعتُ نحو حلقة الضوء — أو أنّها هبطت إليّ، لا فرق.
رأيتُ نفسي والبئر خلفي بخطوة. خطوةٌ واحدةٌ صغيرة. ولا حيّات، ولا عقارب، ولا أصوات. والجرح في الخدّ ما زال ينزف، لكنّ حمرة الدم تَعِد الآن أنّ هذا الجرح سيندمل.
طلع الصباح، والوادي غير الوادي.




No comments yet